السيد كمال الحيدري
173
أصول التفسير والتأويل
وهذا أعظم ثلمة انثلم بها علم القرآن وطريق التفكّر الذي يندب إليه . ومن الشاهد على هذا الإعراض قلّة الأحاديث المنقولة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، فإنّك إذا تأمّلت ما عليه علم الحديث في عهد الخلفاء من المكانة والكرامة ، وما كان عليه الناس من الولع والحرص الشديد على أخذه ، ثمّ أحصيت ما نقل في ذلك عن علىّ والحسن والحسين عليهم السلام ، وخاصّة ما نقل من ذلك في تفسير القرآن لرأيت عجباً . أمّا الصحابة فلم ينقلوا عن علي عليه السلام شيئاً يذكر ، وأمّا التابعون فلا يبلغ ما نقلوا عنه إن أُحصى مئة رواية في تمام القرآن . وأمّا الحسن عليه السلام فلعلّ المنقول عنه لا يبلغ عشراً ، وأمّا الحسين عليه السلام فلم ينقل عنه شئ يذكر ، وقد أنهى بعضهم الروايات الواردة في التفسير إلى سبعة عشر ألفاً . أفهذا لأنّهم هجروا أهل البيت عليهم السلام وأعرضوا عن حديثهم ؟ أم لأنّهم أخذوا عنهم وأكثروا ثمّ أُخفيت ونُسيت في الدولة الأموية لانحراف الأمويين عنهم ؟ غير أنّ عزلة علي عليه السلام وعدم اشتراكه في جمع القرآن أوّلًا وأخيراً ، وتاريخ حياة الحسنين عليهما السلام يؤيّد أوّل الاحتمالين . بل قد آل أمر حديثه عليه السلام إلى أن أنكر بعضٌ كون ما اشتمل عليه كتاب نهج البلاغة من غرر خطبه من كلامه . وأمّا أمثال الخطبة البتراء لزياد بن أبيه وخمريات يزيد فلا يكاد يختلف فيها اثنان ! ولم يزل أهل البيت مضطهدين ، مهجوراً حديثهم إلى أن انتهض الإمامان محمّد بن علي الباقر وجعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام في برهة كالهدنة بين الدولة الأموية والدولة العبّاسية ، فبيّنا ما ضاع من أحاديث آبائهم وجدّدا ما اندرس وعفى من آثارهم . غير أنّ حديثهما وغيرهما من آبائهما وأبنائهما من أئمّة أهل البيت عليهم السلام أيضاً لم يسلم من الدخيل ولم يخلص من الدسّ والوضع كحديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد